الاثنين، 13 ديسمبر، 2010

كتب غيرت التاريخ

تاريخ كتابات غيرت التاريخ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين



تاريخ كتابات غيرت التاريخ



مقدمة

كانت أوسع خطوة خطاها الإنسان في انتقاله إلى المدنية هي الكتابة
وبدأت في بلاد ما بين النهرين بالكتابة المسمارية عند السومريين
وأخذ منها المصريون الكتابة التصويرية ..

وقد تطورت الكتابة من الرسم في حوض البحر الأبيض عند نهاية العصر الحجري الحديث (4000ق م) وبداية عصر الدولة المصرية القديمة (3500 ق م) بالكتابة الهيروغليقية ومعظم من قام بها كان من الكهنة
وقد أخذ الفينيقيون أحرف الهجاء من مصر وأخذها اليونان (الأحرف الفينيقية) وانتقلت مع التجارة للبلاد حول البحر المتوسط ثم علمها اليونان أوربا..

تطور الكتابة هو الذي خلق الحضارة خلقا لأن الكتابة هيأت نقل المعرفة وزيادة العلم وظهور الكتابة هو الذي يعين بداية التاريخ وفجر المدنية
كان الورق أهم السلع في التجارة المصرية ومن أعظم النعم الخالدة التي أنعم بها المصريون على العالم فكان عماد المدنية..

أما صناعة الورق الحديث فبدأ مع الصينيين وقدمه المسلمون للعالم حين فتحوا نصف الكرة الأرضية فقد أحضر المسلمون صناعة الورق إلى أسبانيا في القرن العاشر وإلى صقلية في القرن 12 وإيطاليا في ال13 وانتقل لفرنسا في ال14 فعرف العرب صناعة الورق قبل أوربا بنحو 4 قرون
فكان كل علم سطر على ورقة يرجع الفضل فيه لصناعة الورق الذي نشره المسلمون..

سنتجول بين كتابات سماوية ودينية وفلسفية وشعر وعلم ودعاية ورواية
سنرى الكتاب الذي أضحى تراثا للمجتمعات القديمة كلها
سنقرأ للعالم الذي ارتبط به علم الهندسة 2000 عام
سنرى الكتاب الذي كانت تعاليمه مثل البترول يصب على لهب التوسع الاستعماري
سنرى أعظم الكتب إجراما في القرن العشرين الذي قتل أمام كل كلمة فيه 125 شخص وعن كل صفحة 4700 نفس وأزهق مع كل باب أكثر من مليون و200000 نفس ذلك الكتاب الذي تنبأ بالموت والدمار اللذين أحدثتهما الحرب العالمية الثانية
سنرى الكتاب الذي قيل أنه لم يحدث أي اكتشاف أثر على البشر أعظم منه
سنرى أعظم المحاورات في تاريخ الأدب
سنقرأ لمن قال عنه أينشتين كانت الطبيعة أمامه كتابا مفتوحا
سنقرأ لأكثر عالم في القرن ال19 خلقا لنظرة جديدة في الفكر الذي أحدث انقلابا في أفكار الرجل العصري
سنرى من قيل عند إعدامه بالمقصلة:لقد استغرق قطع رأسه ثانية و لكنا نحتاج مائة سنة لنجد رأسا مثله
سنقرأ أعظم مؤلف في القرون الوسطى للعالم المصري المسلم اعتمد عليه الأوربيون في اختراع المجهر والمرقب وظلت الدراسات الأوربية للضوء حتى القرن 15 م تعتمد عليه
سنقرأ لمن انكسرت بكتاباته موجة الإلحاد في الشرق والغرب
سنقرأ لأعظم الشعراء والأطباء والصيادلة وعلماء الاجتماع والفلك في الشرق والغرب فهذه الكتب كان لها التأثير الأعظم على التاريخ والاقتصاد والثقافة والمدنية والفكر العلمي والديني لأعظم جزء من العالم
سنقرأ لمن أوقفت كتابها عشرات السنين من اضطهاد الرق
سنقرأ لصاحب نوبل الذي فهمه أقل من عشرة أشخاص في العالم والذي بدأ العصر الذري وهو في العشرينات من عمره
سنقرأ للكتاب الذي أشعل فتيل الحنق على الإسلام في العالم في القرن الواحد والعشرين
سنقرأ للكتب التي صنعت الحضارة الأوربية وبررت لها استعمارها للشرق
سنقرأ للكتب التي أسست علمانية الغرب وهدمت الدين
وسنقرأ للكتابات التي حررت الشرق من الاستعمار الغربي في العصر الحديث وأسست نهضة الشرق الحديثة
وسنكتشف كيف صنعت كتابات المسلمين الحضارة الغربية وكما قال جورج سارتون مؤرخ العلم في كتابه ’الشرق الأوسط في مؤلفات الأمريكيين’: ’إن المسلمين يمكن أن يعودوا لعظمتهم الماضية لو عادوا إلى فهم الحياة في الإسلام والعلوم التي حث عليها’

أولا : الكتب السماوية

(1)

وصلت بابل من حيث الحضارة المادية في عصر الأسرة البابلية الأولى إلى درجة لم يصل له غيرها من مدن آسية إلى وقتنا هذا عدا عصر أكبر في الهند في القرن العاشر .

كانت بابل من حيث تاريخها وجنس أهلها من سلالة السومريين وتطل علينا من بداية تاريخ بابل شخصية قوية (2123 – 2081 ق م) ذلك الفاتح المشرع الذي دام حكمه 43 سنة وكان شابا يفيض حماسة وعبقرية عاصفة في الحرب لا يخسر واقعة نشر لواء السلام على ربوع دويلات الوادي وأقام فيها الأمن بفضل كتاب قوانينه التاريخي العظيم
الذي أضحى تراثا للمجتمعات القديمة كلها

1. الكتاب الأول: قوانين حمورابي تراث حضارة وأثر وحي
الكتاب الأول: قوانين حمورابي..تراث حضارة وأثر وحي

كشف قانون حمورابي عام 1902 وهي الآن في متحف اللوفر وتقول مقدمة القوانين ’ولما أن عهد رب السماء والأرض الذي يقرر مصير العالم حكم بني الإنسان إلى مردوك ، ولما أذاع شهرة بابل في جميع العالم وأقام في وسطه مملكة خالدة ناداني أنا حمورابي واختارني حاكما وجاء بالخير والوفرة وأمد السكان بالماء الكثير وأعان الشعب في وقت المحنة وأمن الناس على أملاكهم’.

وتفتتح قانون حمورابي بتحية الآلهة فتمزج أرقى القوانين وأعظمها استنارة بأقسى العقوبات وتضع قانون القصاص والنفس بالنفس إلى جانب الإجراءات القضائية للحد من استبداد الأزواج بزوجاتهم , على أن هذه القوانين البالغ عدتها 285 قانون (والتي رتبت ترتيبا يكاد يكون هو الترتيب العالمي الحديث فقسمت إلى قوانين خاصة بالأملاك المنقولة والعقارية والتجارة والصناعة والأسرة والأضرار الجسيمة والعمل) تكون شريعة لا تقل رقيا عن شريعة أية دولة أوربية حديثة.

وقل أن يجد الإنسان في تاريخ الشرائع ألفاظا أرق من الألفاظ التي يختتم بها البابلي العظيم شريعته:

’إن الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك الحكيم حمورابي والتي أقام بها حكومة طاهرة قيدت أهل سومر حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء وحتى ينال اليتيم والأرملة العدالة ، فليأت أي إنسان مظلوم أمامي أنا ملك العدالة ولعل أثري هذا يكون هاديا له ويريح قلبه فينادي ’حقا إن حمورابي حاكما كالوالد جاء بالرخاء إلى شعبه وأقام حكومة صالحة’.

يقول ول ديورانت المؤرخ : ’يبدو أن شرائع موسى تستمد من هذه الشرائع أو تستمد هذه وتلك من مصدر مشترك’.

وقيل أنها منزلة من السماء فقد كانت بعد بعثة إبراهيم مباشرة (2200ق م ).

........................................

(2) الكتاب الثاني

في عصر الدولة المصرية الحديثة أو الامبراطورية (1580 – 1100 ق م) ارتقى العرش رمسيس الثاني الذي سير حملة لإخضاع الولايات الآسيوية التي خرجت على مصر ، وقضى 3 سنين في إخضاع فلسطين ثم التقى عند قادش (1288 ق م ) بجيش آسيوي عظيم فانتصر وجاء بعدد كبير من اليهود عبيدا أو مهاجرين ، ومات 1225 ق م وهو في التسعين بعد عهد يعد من أشهر العهود في التاريخ.

جاء اليهود من أور في بلاد سومر واستقروا في فلسطين 2200 ق م أي قبل موسى بنحو ألف عام ، وكان اليهود في فلسطين وجاءوا مصر في أثر الهكسوس (في عهد يوسف عليه السلام) وسيطرة الهكسوس على مصر أتاحت لهم بعض الحماية ( 1650 ق م ) وكانوا أولا قليلي العدد حتى وصل عددهم في عهد موسى إلى آلاف مؤلفة ، ثم استعبدهم رمسيس الثاني في مصر وسخرهم في أعمال البناء إلى أن هاجروا مع موسى لسيناء في عهد منفتاح ابن رمسيس الثاني وهزموا الكنعانيين من بعده ودخلوا فلسطين بقيادة يوشع بعد وفاة موسى ودخول الاسرائيليين فلسطين 1183 ق م وجدوا بها عدة أمم منها الكنعانيون والفلسطنينيون وكانوا يعبدون العجل وإله المطر (بعل) فافترق الاسرائيليون قبائل وسكنت كل في منطقة ولم يسلموا من الشرك كما في مزامير داود ..

جاء في سفر القضاة 2 : 11-14’واقترف بنو إسرائيل الإثم وخدموا بعلا وتركوا الرب رب آبائهم الذي أخرجهم من مصر فأشركوا به فلعنهم الرب ’
فوحد سكان فلسطين أنفسهم وطردوهم من جزء كبير من الأرض وأخذوا التابوت المقدس.

ثم اتحد اليهود وطلبوا من صموئيل أن يبعث لهم ملكا يقاتلون في سبيل الله 1020-1004 ق م ثم جاء داود 1004 – 965 ق م ثم سليمان 965-926 ق م ثم تفرقت المملكة قسمين كما قال داود لاعناً إياهم
106 : 34-38 & 40-41 : ’لم يجاهدوا في سبيل الرب وإنما اختلطوا بالأمم وقلدوهم بل وخدموا طواغيتهم وأشركوا بالرب ضحوا بأولادهم في سبيل الشيطان فلعنهم الرب وجعل الذين كرهوهم فوقهم’.

وفي 721 ق م استولى الأشوريون على مملكة إسرائيل وتفرقوا في الأرض .

انقسمت فلسطين بعد موت سليمان لمملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها السامرة ومملكة يهوذا وعاصمتها القدس (أورشليم) وبعد موت سليمان بقليل استولى ملك مصر على القدس فأخذ ثروات سليمان.

وفي 586 ق م قام نبوخذ نصر بتحطيم باقي المملكة وهيكل سليمان ( أول مملكة لاسرائيل ) ودمر النص الأصلي لكتاب اليهود أثناء اجتياح بيت المقدس وأتلفت معها كل كتب الأنبياء السابقين .

وقد أثرى اليهود وحسن حالهم وتمتعوا بقسط موفور من الحرية وسرعان مانمت ثروتهم وعبدوا الآلهة البابلية ..

وكانت ساعة من أروع الساعات في تاريخ اسرائيل حين دخل قورش بابل فاتحا عالميا 539 ق م وأباح لليهود أن يعودوا لأورشليم وأعاد لهم الذهب والفضة ، وأذن دارا الأول ملك الفرس بإعادة بناء الهيكل وعاد الهيكل وعادت أورشليم يهودية .

وفي عام 444 ق م دعا عزير وهو كاهن عالم اليهود إلى اجتماع خطير وشرع يقرأ عليهم سفر شريعة موسى ، ولما فرغ أقسم الكهنة والزعماء والشعب على أن يطيعوا هذه الشرائع ويتخذوها دستورا ، وظلت هذه الشرائع إلى يومنا محور حياة اليهود في سبيل الوحدة القومية والنظام وإدارة تمكنهم من زعامة دولة..

2. التوراة .تاريخ شعب وتحريف تنزيل
شكرا أخي شيراز وأخت الخنساء
الكتاب الثاني: التوراة تاريخ شعب وتحريف تنزيل

وفي 458 ق م وثق الامبراطور في عزير الذي بدأ في إعداد مؤلف يتضمن سيرة موسى وإسرائيل ومزجت في المؤلف آيات من التوراة ، جاء في عزير 7: 25-26:’ وأنت يا عزير بما عندك من كتاب الله يمكنك أن تحكم الساكنين وراء النهر وتعلمهم آيات الله وستعاقب من يخالف حكم الله ’.

فأحيا عزير دين موسى ونشر كتب العهد القديم الخمسة (التوراة) وكانت الأسفار التي تلاها عزير هي التي صيغت منها القواينن ويقول الناقد سارتن : ’ لقد كانت أكبر محاولة لاتخاذ الدين قاعدة لسياسة الأمم وتنظيم الحياة’ .

كتبت التوراة في فترة بلغت نحو 1600 سنة. في فترة أكثر من ستين جيلاً. كتبه أكثر من أربعين كاتباً، من كل مسالك الحياة، منهم الملك والفلاح والفيلسوف والصياد والشاعر والحاكم والعالم.. الخ، فممن نسب إليهم: موسى القائد السياسي الذي تلقّى تعليمه في الجامعات المصرية.وعاموس راعي الغنم.ويشوع القائد العسكري.ونحميا رجل البلاط الملكي.ودانيال رئيس الوزراء وسليمان الملك .

نجد تاريخ بني إسرائيل عبر نحو خمسة قرون، فقد كان اليهود عباقرة في تسجيل تاريخهم، كما أن العهد القديم هو أقدم وثيقة تاريخية. ونجد أن العديد من المؤلفين المجهولين بين القرن الرابع والثاني ق م صنعوا كتب الأديان التي تنزلت على الأنبياء السابقين بعدة قرون استنادا لمصادر مجهولة مثلا مؤلف ما كتب حوالي 300 ق م كتابا على لسان النبي يونس رغم أنه بعث في القرن الثامن ق م .. كذلك مزامير داود لم تدون إلا بعد 5 قرون من وفاته وأضيفت إليها مئات الأناشيد الدينية.. وبالمثل رحل سليمان 933 ق م وجمعت أمثاله 250 ق م وتضمنت حكما لحكماء هذا الزمان .

باختصار لا ترتبط أي من كتب العهد القديم بصلة ما بأي نبي نسبت إليه فضلا على أنها دمرت أثناء الاجتياح الثاني لبيت المقدس سنة 70 م ولم يبق سوى ترجمات إغريقية يعود تاريخها إلى 258 ق م وتولى حكماء يهود القرن الثاني الميلادي إعداد نسخة استنادا لمخطوطاتهم التي نجت من التلف وأقدم نسخة يرجع تاريخها لسنة 916 م وكتب أقدم مخطوط فيه الخمسة كتب الأولى في القرن 11 م.

وأساس التوراة فلكلور تراثي يعتمد على الذاكرة ، والعهد القديم مجموعة أعمال ذات أطوال مختلفة كتبت بلغات مختلفة من القرن العاشر إلى القرن الأول ق م .

يبدو دين اليهود قاسيا مكتئبا فكانت المحرمات تحيط بهم وكل شهوة لابد لها من تكفير .. كان قوام الدين الخوف لا الحب والرهبة لا الرغبة ولم يكن في التوراة جحيم يخصص لعقاب المذنبين وقلما يشير اليهود إلى حياة أخرى بعد الموت.. ولم يكن الله الإله الوحيد الذي يعترف اليهود بوجوده ، وشاهد ذلك أن ما يطلبه في الوصية الأولى من الوصايا العشر أن يكون مقامه فوق مقام سائر الأرباب ’على عدد مدنك صارت آلهتك يايهوذا ’ وفي مكان آخر نجد أحد أنببائهم يظهر غضبه لأنهم يعبدون بعلا
وكان اعتقاد اليهود في الله أنه لا يطالب الناس بأن يعتقدوا أنه عالم بكل شئ ولا معصوم من الخطأ فيندم ولم يكن للأمم القديمة إله يبدو آدميا كإله اليهود..

وفي التوراة لايبدو الأنبياء طبقة جديرة بالاحترام بل كان بعضهم يتقاضون مالا على التنبؤ للناس بالماضي والمستقبل ، ومنهم متعصبون مهووسون يستثيرون مشاعرهم بالمشروبات أو الرقص..

ولم يرد في التوراة شئ عن الخلود وقصر الثواب والعقاب على الدنيا ولم يكن أحد غير الكهنة يستطيع أن يفسر الأسرار الدينية وكان هؤلاء طبقة مغلقة..

وفي العهد القديم يعرف الله أن الأرض حتى الأرض الموعودة – فلسطين – لا تنال إلا بحد السيف ولا يحتفظ بها إلا بالسيف ويأمر شعبه أن يرتكبوا من الوحشية ما تشمئز منه النفوس..

يقول الناقد رينان : ’ لقد صارت الشريعة الطعام والدواء والانحراف جعلتها من الفروض الإلهية فنرى في سفر اللاويين يحرص على وضع قوانين لعلاج الأمراض التناسلية فينص على عزل المصابين وما تطلبه علاجهم من تطهير وحرم الخنزير وظلت الطرق التي يشير بها سفر اللاويين لعلاج الجذام متبعة في أوربا حتى آخر العصور الوسطى ، واليهود هم الذين وضعوا قواعد الوقاية من المرض ، ولعل ما في الشريعة من قواعد صحية هو الذي أبقى على اليهود خلال تشتتهم الطويل أما ما بقي من شريعة موسى فيدور كله حول الوصايا العشر (سفر الخروج الإصحاح ال20) التي قدر لها أن يرددها نصف سكان العالم .

وتضع الوصية الأولى أساس المجتمع الديني وهو الذي لايقوم على أي شريعة مدنية بل على فكرة الله والذي أنزل كل قانون وسمى شعبه إسرائيل أي المدافعين عن الله ، ونص على أن الكفر يعاقب عليه بالإعدام.

وحرمت الوصية الثانية أن تصور الله أية صورة ونبذت فكرة تجسد الإله بالرغم من الصورة البشرية التي ترسمها أسفار موسى الخمسة لله فلم يجيز الكهنة من الفنون غير العمارة والموسيقى.

وتحرم الوصية الثالثة أن ينطق باسم الله فإذا ورد اسم يهوه في صلاته وجب عليه أن يستبدل به اسم الرب.

وقدست الوصية الرابعة يوم الراحة الأسبوعي – السبت .

والوصية الخامسة أكرم أباك وأمك كي تطول أيامك فتقدس الأسرة وتضعها في منزلة لا تفوقها إلا منزلة الهيكل (الأسرة أساس المجتمع)، وظلت المثل العليا التي طبع بها نظام الأسرة باقية في أوربا حتى جاء الانقلاب الصناعي وكان الأساس الاقتصادي للأسرة العبرانية هو زراعة الأرض .. وللأب أن يبيع ابنته قبل أن تبلغ الحلم إن كان فقيرا وله الحق في أن يزوجها من يشاء ، وعلا شأن الأمومة وجرمت العزوبة والزواج إجباري بعد العشرين وتنظر إلى وسائل تحديد النسل على أنها من أعمال الكفرة.

والوصية السادسة : لا تقتل.

ومع ذلك لانرى في كتاب مانراه في أسفار العهد القديم من حديث عن التدمير ، ولم يكن أنبياء إسرائيل من دعاة السلم ، ولقد قتل 8 من ملوك إسرائيل ال19 والعادة أن تدمر المدن التي يستولون عليها ويقطع رقاب الذكور وتتلف الأرض.

والسابعة: لاتزني . تعترف أن الزواج هو أساس الأسرة وبرغم ذلك انتشر الزنا حتى كان الهيكل نفسه أيام المكابيين ماخورا للفجور ، وإذا كان الرجل ثريا أبيح له أن يتزوج بأكثر من واحدة والهدف هو تكثير النسل ، وإذا مات الأخ كان يحتم على أخيه أن يتزوج أرملته مهما كان عدد زوجاته والطلاق مباح للرجل.

والثامنة: لاتسرق. تقدس الملكية الفردية ، ولما نمت ثروتهم بدأوا يتجرون ، وقامت مصارف عديدة لتمويل التجارة واتخذ المقرضون ساحات الهيكل موضعا لعملهم وجمعوا ثروة طائلة..

وكان اليهود يتخذون المذنبين عبيدا ، و كذلك المدنيين حتى أيام المسيح ، و طلبت شريعة موسى أن يطلقوا سراح الأرقاء من العبرانيين ولكنهم لم يطيعوا هذه الوصية.

والتاسعة : لا تشهد زوراً. تطلب أن يكون الشهود شرفاء ، والمبدأ الذي كان يقوم عليه العقاب هو القصاص ، و كانت المبادئ مثل عليا لم تتحقق كلها والقانون الجنائي لا يفضل قانون حمورابي وإن كتب بعده بألف وخمسمائة سنة على الأقل.

والعاشرة : ’لا تشته امرأة قريبك ولا شيئا مما له’.

وأحد أفضل الوصايا لم تكن بين الوصايا العشر وإن كانت جزءا من الشريعة الموسوية وهي في سفر اللاويين ’حب لأخيك ما تحب لنفسك’.

مجموعة كتب التوراة :

تتحدث عن خلق الكون حتى دخول اليهود كنعان الأرض الموعودة بعد هجرتهم من مصر وحتى موت موسى وهذا هو برواز ديانة وحياة اليهود الاجتماعية ويسمى التوراة أو القانون.

كان يعتقد أولا أن موسى هو كاتب هذا الكتب إلا أن اليوم ثبت بالعلم خطأ هذه الفكرة (ومن نهاية العصور الوسطى) ففي القرن ال16 لاحظ كارلستادت أنه من غيرالمنطقي أن يكتب موسى وصف موته.

وفي القرن ال18 لاحظ جين أستردك طبيب لويس الخامس عشر أكثر من مصدر للتوراة فهناك روايتان مختلفتان أحدهما يذكر الله باسم إلوهيم والأخرى باسم ياهوه في سفر التكوين.

لاحظ إشهورن في القرن 18 نفس الملاحظة في الكتب الأربع الأخرى ثم إلجن لاحظ أن الرواية والتي يذكر فيها الله باسم إلوهيم هي في الحقيقة روايتان ..

وانهارت فكرة أن التوراة الموجودة هي كتاب الله المنزل.

وفي القرن ال20 اكتشف 23 مصدر للتوراة .

وفي القرن ال19 اكتشف 4 مصادر للتوراة أولها كتب في القون 9 ق م في مملكة يهوذا.

وهذا سبب تعارض وتكرار في النصوص ويتمثل هذا واضحا في قصة الطوفان وخطف يوسف ومغامرته في مصر واختلاف الأسماء لنفس الأشخاص في القصة واختلاف وصف نفس الأحداث وفي العهد القديم مايثبت تحريفه في نقضه للعقل والعلم في قصة خلق العالم والطوفان وتاريخ خلق الكون وتاريخ ظهور الإنسان على الأرض.

بعد الكتب الخمسة تأتي الكتب التاريخية ، حيث تاريخ اليهود ومنذ وصولهم الأرض الموعودة 13 ق م حتى نفيهم لبابل في السادس ق م .

كتب الأنبياء:

من القرن الثامن إلى القرن الثاني ق م أشهرهم موسى وصموئيل وإلياس وإليشا.

كتب المزامير والحكم والشعر:

و تحتل المزامير المكان الأول في الشعر الغنائي والتي تصف لحظات الهيام الروحي والإيمان القوي تتخللها توعد الأشرار مع حماسة حربية كما فيها خضوع وتذلل’نحن تراب .. أيامنا مثل العشب يزهر كزهر الحقل ’ وهي تحرك العواطف ولكن يوجد عواطف شهوانية أيضا في نشيد سليمان مع حكم مثل’تأديب الحمقى حماقة’.

وسفر أيوب أسهل من سفر الأمثال ويظن العلماء أنه كتب في القرن الخامس قبل الميلاد ويقال أنها أفضل مافي التوراة من قيمة أدبية ، وقد اختير في استفتاء 2002 لأعظم 100 كتاب في التاريخ والذي أقامته نادي الكتاب النرويجي بتصويت 100 كاتب معروف من 54 دولة وفي السفر يفارق أيوب صبره ويفكر في الانتحار ويلوم ربه لأنه تخلى عنه ، أخيرا يسمع صوت من السحاب يتحدث حديثا هو أجل مافي التوراة ’فأجاب الرب أيوب من العاصفة : من ذا الذي يسب القدر بجهل فأين كنت حين خلقت الأرض هل تعلم أطرافها وكيف ألقيت فيها الرواسي من جعل للبحر حاجزا وجعل من فوقه سحاب وجعل الضباب قماطه وأمره ألا يتعدى بلججه هل انتهيت إلى ينابيع البحر هل عانيت سكرات الموت : هل اطلعت على خزائن السموات والأرض ؟ هل ربطت عقد الثريا؟’ ثم يعفو الله عنه، ويحصل أيوب على كل شئ إلا جواب أسئلته ’لم يسعد المخربون ويتعس المتقون’ ..

وكذلك في أيام دانيال (167 ق م ) وأخنوخ قالا أنه لا يمكن الإجابة إلا إذا آمن الإنسان بحياة بعد الممات ترفع فيها المظالم ويعاقب فيها المسيئ ويثاب المحسن ، وكانت هذه إحدى الأفكار المختلفة التي سرت في المسيحية وكانت من أكبر أسباب انتصارها على اليهودية هنا توجد وحدة أدبية في النص وتأتي المزامير كأعظم ما في الشعر العبري .

في القرن الثاني ق م كان العهد القديم تكون انتصر اليونان على الفرس ، و في 198 ق م أخذوا فلسطين ، و وضعوا أوثانا في معبد سليمان ، وأرغموا اليهود على السجود لها قاوم الاسرائيليون وانتصروا حتى 67 ق م (كانت بلاد اليهود عام 157 ق م دولة مستقلة).

ترك موسى لشعبه شريعة مكتوبة هي الأسفار الخمسة أو التوراة ، وزعم رجال الدين أنه ترك شريعة شفهية أخذت تجمع من القرن الثاني إلى القرن الثامن وتسمى التلمود ولا تزال تعدل إلى الآن..

تدهورت مملكة إسرائيل ثانية حتى أن بعضهم دعى بالجنرال الروماني بومباي ليهاجم فلسطين ففعل وأخذ أورشليم 63 ق م وأنهى مملكة إسرائيل ، ومارسوا حكمهم عن طريق حكام إسرائيليين موالين ، قامت ثورة لليهود 64 م ودحضها الرومان في مذبحة كبيرة وتم تدمير أورشليم وهيكل سليمان وطرد اليهود وانتهت مملكة إسرائيل.

إذن فقد ظلت مملكة إسرائيل من 1004 ق م إلى 721 ق م مملكة داود وسليمان ، ثم أعيدوا وبني الهيكل 538 ق م إلى 198 ق م مع ذي القرنين قورش وعزير.

ثم استقلت 157 ق م – 67 ق م بالمكابيين ، وذلك أن اليونانيين حين فرضوا نظمهم وحرموا مراسم الدين اليهودي وبيع اليهود كرقيق فروا للكهوف ومنهم بوداس (مكابي) من سبط هارون فقاد جماعة من المتقين في معارك وانتصر على اليونان حتى استعاد أورشليم فصدر اعتراف باستقلال بلاد اليهود 142 ق م .

[line]

(3) الكتاب الثالث:

في مجاهل الجزيرة العربية بلغت عداوة أهله لبعضهم أن تظل حروبهم سنين عديدة (داحس والغبراء) لأسباب واهية وبتأثير كتاب قرأه عليهم أمي منهم وصل حبهم لبعضهم بعد عدة سنوات أن نصفوا أموالهم وديارهم وأزواجهم مع بعضهم.

بل وفي إحدى الغزوات آثر كل جريح أخاه على نفسه في شربة ماء حتى استشهدوا جميعاً.

والذين امتلأت شوارعهم بذوات الرايات الحمر في الجاهلية بلغ تقواهم بتأثير ذلك الكتاب أن قالت امرأة الخليفة له حين حاصره أهل العدوان دعني أكشف رأسي فإن فعلت استحوا أن يدخلوا فأجابها الحيي الراشد : لأن أرزأ في نفسي خير من أرزأ في حيائي ودخلوا عليه وقتلوه
والذين كانوا يشربون الخمر كالماء حتى سموها أكثر من تسعين اسما حتى سميت بالانجليزية الكحول كالعربية حين حاول الغرب تحريمها بعد معرفة أضرارها في أوائل القرن العشرين بأمريكا فصدر قانون prohibition law ، و صرفت آلاف الدولارات للإعلانات على مضار الخمر في مختلف وسائل الدعاية وأغلقت الحانات وصودرت الخمور أملا في أن تقل الأمراض والوفيات بسببها فماذا كانت النتيجة : برغم تأكد الناس من مضارها انتشر تهريب الخمور وانتشرت عصابات آل كابوني وفتحت الحانات سرا حتى أنه كان من أعظم هدايا صديق لصديقة في ذاك الوقت أن يطلعه على كلمة سر دخول هذه الحانات ولما كانت الخمور مهربة كانت مغشوشة فزادت الأمراض والوفيات والجرائم وفسد اقتصاد الدولة مما دعا روزفلت عام 1933 بعد 14 سنة أن يوقف العمل بهذا القانون الفاشل.

قارن هذا بتحريم الخمر لدى العرب فلم ينفق سنتا واحدا في دعاية ولم يطلعوا على رأي العلم في الخمر ولم يكونوا أهل حضارة بل قرئ عليهم"ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه" ، فكان الرجل يكون الكأس على فيه فيسمع الآية فيطرحها وأريقت أواني الخمر في الشوارع حتى أنه كان يشم رائحة الخمر في طرقات المدينة بعدها بسنين كلما سقط المطر وحتى الآن نجد من يشربون الخمر من قلة من المسلمين يشربونه على استحياء وهم يعلمون جرمه ..

ولئن كان إبراهيم قد نجاه الله من كيد أعدائه بمعجزة إذ ألقوه في النار فقد صبر المسلمون على حصار شعب أبي طالب بتأثير كتاب يتلى .

ولئن كان نوح قد نجاه الله من قومه وأهلكهم جميعا بدعوته لاتدع على الأرض من الكافرين ديارا فإن محمد صلى الله عليه وسلم لم يرض أن يهلك الله قومه بعد أن رجموه في الطائف وهو يشارف على الخمسين ومضت على دعوته التي بعثه الله بها للعالمين 10 سنوات ، ومات عمه وزوجه ولم يؤمن به إلا القليل ولم يكن في مواساته إلا كتاب يتلى ولئن كان عيسى قد نجاه الله من قومه ورفعه بمعجزة وأنهى رسالته فقد صبر المسلمون على أذى قومهم وهاجروا للمدينة ليستمروا في نشر دعوة الله ولم يكن معهم سوى كتاب يتلى .

و لئن كان موسى قد نجاه الله من قوم فرعون بمعجزة حين فلق البحر فقد جاءت قريش بقضها وقضيضها فجاهدهم المسلمون بفئتهم القليلة ولم يكن معهم سوى كتاب يتلى.

وكانت نهاية المعجزات الحسية هي بشرى لبداية استخدام العقل في بناء الحضارة الإنسانية فلم ينزل الله سبحانه إلا كتابا يخاطب العقل في آخر رسالة من السماء.

3. الكتاب الثالث: القرآن خلود معجزة و عموم دعوة
تاريخ كتابات(بقية)

3. الكتاب الثالث: القرآن خلود معجزة و عموم دعوة

قال بروفيسور باروك في لفاء الاكاديمية الفرنسة الطبية في يناير 1988 حين اكتشفت جثة فرعون موسى :’وأخيرا أيد العلم الدين’.

وأمة القرآن اولى بهم هذا القول ففي كتابهم وليس في كتاب العهد القديم بشر تعالى بأن ينجيه ببدنه ليكون لمن خلفه آية.. رأينا كيف تغير العهد القديم بالتحريف وأيضا لايستطيع أحد الجزم بأن ماكتب في الإنجيل هي كلمات المسيح نفسها وأفعاله لأن طبعات متتالية أوضحت النقص في كونها منزلة من الله بل ومؤلفيها لم يكونوا شاهدي عيان..

أما القرآن فكتب وحقظ في عهد النبي نفسه فهو مؤكد من تلك الناحية ( ولم يكتب إنجيل واحد في عهد عيسى) ونجد القرآن باختلاف الكتب الأخرى لا يحتوي على مثل أو حكم قالها النبي صلى الله عليه وسلم.. ولا نجد هذا الخليط العجيب من حياة الرسول أو تاريخ العرب كما نرى في الأناجيل وقائع الأحداث التي رافقت التنزيل.

و أرسل عثمان نسخا إلى عواصم العالم الإسلامي منها اثنتان محفوظتان باستانبول وطشقند(وتم التأكد من قدمهما بالكربون المشع) ولايوجد أي خلاف بينها وبين النصوص الحديثة بل بلغته الأصلية والتي لا زالت حية وهذا لايوجد بالكتب الأخرى.

اعتدنا في قراءة الكتب التي تقدم معلومات أو أفكار أو مناقشات الترتيب المنظم للفكرة. و من يقرأ القرآن أول مرة ينتظر أن يجد موضوعا معينا يدور حوله الكتاب موضحا في أوله ثم ينقسم إلى أبواب وأجزاء حيث تستمر المناقشة في تتابع منطقي .. كما نتوقع أن نجد ترتيبا منظما للأوامر والنواهي لكل ناحية من نواحي حياة الإنسان ، لكن حالما نفتح القرآن نجد خليطا من الأفكار يشمل الإيمان والأخلاق والقانون والوعد والوعيد والأعمال الصالحة والبشرى ومناقشات وبراهين على صدق الرسالة وقصص الماضين وآيات الله في الكون ، ونجد هذا الخليط من الموضوعات يتداخل في بعض دون نظام واحد كما اعتدنا في أي كتاب نقرؤه.

ونلحظ انتقالا مفاجئا من موضوع لآخر حتى أن الخطاب للمستمعين والمتكلمين يختلف من آن لآخر. لا توجد أبواب وفصول كما نعرف كما أن تناول الموضوعات فريد فحين يتناول قصة تاريخية لا يتبع النسق القصصي المعروف للتاريخ وحين يتناول مواضيع فلسفية أو روحية لا نرى مااعتدنا عليه من ألفاظ مثل فلسفة وما وراء الطبيعة وميتافيزيقا ومنطق ، كما أن المواضيع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يتناولها الكتاب بطريقة تختلف عن أي كتاب اجتماعي حتى لربما يشعر قارئ أن القرآن كتابة غير منظمة وغير منسقة وغير منطقية ، وهذا أساس الهججوم على القرآن من أعدائه بل والبعض يعتبر أن وجود كتابات لا تتصل ببعضها عرضة لمفاهيم مختلفة متضادة.

إذن فما هو موضوع القرآن ؟

وكيف هو تنظيمة وترتيبه ؟

وماهو المنطق الذي يمضي به في شرح موضوعه وهدفه؟

علينا أن نجيب على هذه الإسئلة الثلاث قبل أن نفهم القرآن.

لوأردنا فهم القرآن علينا أن نفرغ رؤوسنا من جميع الأفكار السابقة عن الكتب حتى كأننا أميون كالنبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه فالله حين ينزل كتابا يجب أن يختلف عن كتب البشر.

- على دارس القرآن أولا أن يفهم ماهي أساسيات ما يدعو له القرآن وهي :

1. خلق الله الإنسان ومكنه من معرفة الخير والشر وجعله خليفة.
2. برغم أن الإنسان خليفة فإن له ربا واحدا مطاعا لامعبود سواه والحياة اختبار بعدها يعود لربه ليحاسبه ومن عمل خيرا سيجده في الدنيا والآخرة والعكس.
3. علم الله آدم وحواء تعاليمه لينقلاها لذريتهما ولكن بجهل الإنسان وإهماله ضل وأشرك بالله آلهة وأفكار وفلسفات وأديانا وضل عن شريعة الله فامتلأت الارض بالظلم.
4. اصطفى الله من الناس رسلا لهداية البشر وخاتمهم محمد صلعم وجعل لأمته مهمة ثنائية إصلاح النفس والالتزام بتعاليم الله ودعوة جميع أهل الأرض للإسلام.

بهذه المبادئ نصل إلى إجابة السؤال الأول: أن موضوع القرآن هو الإنسان وأسباب نجاحه وفشله في الدنيا والآخرة.

- أما المنطق الذي يمضي به هو مفهوم الدين والعلم عند الله والطريق القويم ودحض الآراء الخاطئة التي تبناها فكر الإنسان وهواه وهداية الإنسان للطريق القويم.

أيضا لفهم السؤال الثاني علينا معرفة كيف نزل القرآن؟

اصطفى الله نبيا من مكة برسالته بادئا بمدينته(مكة) وبقبيلته (قريش) لذا فقد نزلت تعليمات تناسب هذه المهمة أولا ويبدو في هذه الفترة ثلاثة خطوط :

1- كيف يعد النبي نفسه للرسالة "ياأيها المزمل.فم الليل" و"ياأيها المدثر قم فأنذر" وإقرأ...واسجد واقترب" و"والضحى... فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث".

2- معلومات أساسية عن الحق ونقد أفكار الباطل:"والسماء والطارق" و "سبح اسم ربك" و "والفجر" و" والليل إذا يغشى" و"لم يكن الذين كفروا".

3- طريق الصراط المستقيم والدعوة إليه " والعصر" والإخلاص والكافرون لذا تأتي آيات قصيرة تملؤها المهابة والقوة يناسب جرسها المخاطبين من كفار قريش وقلوبهم الصلدة.

وهذه الفترة الأولى بعد البعثة والتي استغرقت 3 سنوات وامتازت بالسرية نزلت السور الصغيرة التي تعرف بالله ونعمه وجلاله ، ثم جاءت الفترة الثانية والتي استغرقت سنتين وامتازت بالجهر ورد المشركين عليهاباللامبالاة والسخرية تارة وبالتهديد تارة أخرى فنزلت الآيات كما في سورة الأنبياء تهدد بعاقبة المكذبين واللامبالاة "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون " & وطمأنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بدعا من الرسل"وماأرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"&"ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون".

وفي المرحلة الثالثة والتي استغرقت خمس سنوات وامتازت بتصعيد العداوة وتعرض الصحابة للتعذيب والحرمان الاقتصادي مما دعا 101 مسلم للهجرة للحبشة ، ولجأ الباقون 40 مع النبي صلى الله عليه وسلم لشعب أبي طالب حيث العزلة الاجتماعية والاقتصادية فنزلت الآيات كما في سورة الكهف لتسلية المؤمنين بقصة أهل الكهف وكذلك مريم بقصة هجرة إبراهيم من قومه وبعدالهجرة للحبشة نزلت طه لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم بقصة موسى فأسلم بها الفاروق.

وأثناء هذا الصراع نزلت آيات تختلف بين نعومة جريان النهر وقوة اندفاع الفيضان وطفيان النار المدمرة..

نزلت رسائل للمؤمنين بواجباتهم وإشعارهم بالمجتمع الواحد الذي يمتاز بالأخلاق العالية والدعوة بالحكمة والصبر وإلقاء الحماس في قلوبهم حتى أنهم كانوا مستعدين لبذل أرواحهم فداء للدعوة..

مع خط مواز يبين للكافرين براهين وحدانية الله والبعث ومناقشة الشرك والإلحاد والتقليد الأعمى للآباء مع تفنيد لكل آراء الجاهلية بالمنطق مع توعد من الله بسوء عاقبة المكذبين.

وفي المرحلة الرابعة والتي استغرقت خمس سنوات وبدأت بوفاة الشخصين الحاميين للنبي صلى الله عليه وسلم عمه وزوجه وامتازت بحملة اضطهاد واسعة للنبي وأتباعه من المشركين الذين لم يعد عندهم صبر على إبقاء أي مسلم حي بجوارهم فأرغموا على الهجرة للمدينة وهنا نزلت آيات بتهديد أقوى بسوء عاقبة المشركين فنزلت الأنعام "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ماكذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإالمرسلين"ويونس "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين"ونزلت قصص تسلية المسلمين وتهديد الكافرين كما في الأعراف وهود ويوسف والحجر" فاصدع بماتؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون. ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بمايقولون.فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" والرعد وإبراهيم والنمل والإسراء"وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا".

ثم تأتي مرحلة المدينة، وهنا يبني المجتمع المسلم نفسه ويواجه الكفار بالسيف ويضم بجواره الكتب السابقة ويبدأ ظهور المنافقين ، وفي المدينة نزلت آيات بناء المجتمع المسلم والاستفادة من تجاربهم الدنيوية في تعاملاتهم مع أنفسهم كالنور وحديث الإفك ومع أعدائهم كما في الأنفال عن بدر وآل عمران عن أحد و الأحزاب عن غزوة الخندق و المائدة عن صلح الحديبية والتوبة عن غزوة تبوك..

ولأن القرآن نزل نجما بتعا للحوادث واحتياجات الحركة الإسلامية في المراحل المختلفة لذا فإنا لانجد التسلسشل والتتابع الموجود في الكتب العادية فنجد المواضيع تختلف من هز للمشاعر لمختلف العقول لتغيير في التفكير لإيقاظ للضمائر لبث الحماسة والإخلاص في نفوس المؤمنين وتحويل الأعداء لأصدقاء وإقناعهم بالحق وتهديدهم لذا فهي ليست محاضرة أدبية تسير على نسق واحد..

هذا يفسر التكرار في القرآن ففي مرحلة ما تحتاج الحركة والرسالة للتأكيد على موضوع ما فيظل يؤكد عليه أشهر أو سنوات حتى يصل لقلوب الناس بعبارات وصيغ مختالفة ؛ لذا تتكرر موضوعات التوحيد والآخرة والحساب والأخوة والأخلاق والصبر والرحمة والثقة بالله في كل القرآن ..

وبعد نهاية الرسالة وضع ترتيب القرآن بغير ترتبيب النزول فقد نزل والكفر يعم وكمل والإيمان تم فكان ترتيب المصحف مناسب لقيادة أمة مسلمة
ومن إعجازاته عدم وجود تفسير واحد له وضعه مثلا النبي بل ترك تفسيره ليستوعب أطوار العقل الإنساني عبر العصور ليكتشف خباياه وكنوزه خلال القرون.

وللقرآن إعجاز تشريع فأثبتت التجارب الدنيوية والبراهين العلمية صدق مانزل عليه من القرآن وحتى الأمور الاجتماعية رجع إليها العالم حين عضته حوادث الدهر فهاهو الميراث الإسلامي يصدق عليه الاتحاد السوفيتي وهو في أوج عظمته ليمنع تراكم الثروة ، بل إن آدم سميث في كتابه ( ثروة الأمم) أحد أكبر الكتب في التاريخ يندد بنظام الميراث الانجليزي الذي يجعل الابن يرث كل ميراث الأب ’لاشئ يمكن أن يضر بصالح أية اسرة كبيرة إلا ذلك الحق الذي لكي يغني فردا واحدا يسوق بقية الأولاد إلى فقر مدقع’.. وعن الربا يقول أحد كبار رجال الاقتصاد المعاصرين واسمه موريس والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد :أن الربا هو سبب زيادة غنى الأعنياء وفقر الفقراء وسبب الكساد في العالم و انهيار العملات.

الإعجاز العلمي يتحدى في:

1- خلق الكون ولاتوجد به أخطاء الكتب الأخرى مثل " أو لم ير الذين كفروا أن السموات الأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي"
2- في علوم الفضاء:" وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا" "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون"و" يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء"
3- وفي علوم اللبحار ودورة الماء "وجعل بين البحرين حاجزا و" وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء" و "أو كبحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات "
4- علم طبقات الأرض "والجبال أوتادا"و"غلبت الروم في أدنى الأرض"
5- علم الوراثة: "وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى"
6- علم الأجنة:"خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة "
7- علم الفسيولوجي :"نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين"
بل وخلا القرآن من جهل وخرافات عصره بعكس الكتب الأخرى
8- في علم الفلك "ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا"
9- طب الأطفال"والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ".

بل وإعجاز عددي في عدد كلمات ومعلولات عددها ومقارنتها بأعداد أضدادها
مثل عدد كلمتي البر والبحر كنسبتهما في الطبيعة.

بل وإعجاز حرفي كحرف السين في سورة الناس وجرسها المناسب للسورة وحرف النون في سورة ن والدالة على الحنان والمناسبة لموضوع السورة.

وإعجاز لفظي في الصاخة والطامة بمد التلاوة 6 حركات فتجد نفسك كأنك تصرخ يوم القيامة.

وإعجاز بلاغي.

وإعجاز تاريخ كذكر ملك بدلا من فرعون في قصة يوسف (أيام الهكسوس) وذكر اليم في قصة فرعون في الأحداث المتصلة به والبحر في غير ذلك ، مثلا "فنبذناهم في اليم " لكن "اترك البحر رهوا" لأن البحر في اللغة الهيروغلوفية "مو" (ومنه اسم موسى) فكانت أقرب الكلمات العربية إليه يم.

ونرى إعجاز تفسير: فالفاتحة هي بذرة شجرة القرآن بها كل مقومات حياتها وجيناتها، ففي الثلث الأول من القرآن يتحدث عن موضوع واحد هو بناء المجتمع المسلم والتعامل مع الأعداء يلخصه في الفاتحة:آخر آية صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولاالضالين:

· فسورة البقرة يوجد بها خطان متوازيان على طول السورة الأول عن بني إسرائيل فنرى الله تعالي يدعوهم لاتباع أوامره ويذكرهم بنعمه عليهم منذ بعثة موسى ويخبرنا تعالي أن قلوبهم كالحجارة ويتملصون من الحق كما في البقرة والخط الثاني عن البناء الداخلي للمجتمع المسلم فتتحدث الآيات عن الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وبعض الأمور الاقتصادية كالدين والاجتماعية كالطلاق.

· سورة آل عمران الخط الأول عن بناء المجتمع والاستفادة من درس أحد والخط الآخر هو العلاقة مع النصارى وقصة عيسى وأن فصل القول بيننا "قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله".

· سورة النساء أيضا عن بناء المجتمع وتحذير المؤمنين من أعدائهم فيتكلم الجزء الأول عن حقوق الأيتام والزوجات والعلاقة الجنسية والميراث وقوامة الرجل والجزء الآخر عن المنافقين وتحذيرنا من أن نكون منهم "فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم".

· المائدة عن بناء المجتمع وأخلاق التعامل مع أهل الكتاب فنراه تعالى ينظف مائدة المسلم من القمار والخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ثم يأتي التحذير بألا نتخذ أهل الكتاب أولياء.

· الأنعام :طعامك (ونواحي تغذية حياتك) يجب أن تعتمد على تعليمات الدين.

· الأعراف :تدلنا على سنة الله في رسله وقومهم.

· الأنفال:غزوة بدر.

· التوبة : عن كيفية التعامل مع الكفار بعد النصر ويحذرنا من ترك الجهاد.

في الثلث الثاني من القرآن: يلخصه في الفاتحة"الرحمن الرحيم مالك يوم الدين اهذنا الصراط المستقيم".

· أول 7 سور تأتي بعد بناء المجتمع المسلم (في الثلث الأول) بدعوة الأمة بالاستمساك بدينها مستأنسين بقصص السابقين"اهدنا الصراط المستقيم".

· ثاني خمس سور عن بناء الروح المؤمنة والنفس المطمئنة "إياك نعبد وإياك نستعين".

· ثالث أربع سور عن الأعمال الصالحة آخر 3 سور "الرحمن الرحيم مالك يوم الدين "يبين كيف تنشر النفس المطمئنة نور الهداية على من حولها ففي النمل نرى كيف أدخل سليمان الإيمان في قلب ملكة سبأ ثم نقاش المشركين في لغة تمس ملكات خفية في القلب "قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون . أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أءله مع الله بل هم قوم يعدلون .أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لايعلمون . أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله قليلا ما تذكرون.أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته إءله مع الله تعالى الله عما يشركون . أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ." وتعليم للمؤمنين كيف تكون الدعوة لله.

الثلث الأخير من القرآن : ويلخصها "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين".

· أول 4 سور (الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) كلهم يبدأون بألم وفيها إحاطة الله بمكر الكافرين والذي يبدو معقدا ومقززا كخيط العنكبوت ولكنه في الحقيقة واه مثله.

· ثاني 7 سور (الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) عن النبي صلعم تبدأ بالأحزاب فيبين الله نصرته لنبيه على الأحزاب واليهود ثم التحذير من إيذاء النبي والوصية بالصلاة عليه.

· ثالث 7 سور عن مصير المؤمن بالمقارنة بمصير الكافر (الرحمن الرحيم مالك يوم الدين).

· رابع 4 سور من صفات جلال الله وانطباعها على المؤمنين.

· آخر 57 سورة (الحمد لله رب العالمين)تتحدث عن نعم الله ويوم القيامة ففي الذاريات نرى كما أن الريح تذري (تنشر) التراب فإن نعم الله تنتشر في الكون"وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون" وفي الرحمن تتكرر"فبأي آلاء ربكما تكذبان"والواقعة تتحدث عن تفاصيل غير مسبوقة ليوم القيامة.

الفاتحة دعاء العبد لربه والقرآن هو إجابة هذا الدعاء.

ثانيا:الكتب الأخرى

[line]

(4) الكتاب الرابع :

شهد القرن الثالث ق م ذروة مجد العلوم الطبيعية لدى اليونان ذلك أن الملوك كانوا أكثر تسامحا في البحث العلمي وأكثر تشجيعا، من ذلك أن الاسكندر أرسل إلى المدن اليونانية جمالا محملة بألواح بابلية للترجمة وأنشأالبطالمة المتحف الذي كان معهد للدراسات الراقية وجمعوا علوم البحر الأبيض في المكتبة.

وكان لزوال الحدود السياسية بين الأقطار ووجود لغة مشتركة وسهولة تبادل الأفكار وقيام طبقة من التجار ذات عقلية علمية وازدياد عدد المدارس والجامعات والمراصد ودور الكتب كان لهذه كلها مجتمعة مع ازدياد الثروة وتقدم الصناعة ومناصرة الملوك أكبر الأثر في تحرير العلم من الفلسفة وحدث حوالي مستهل القرن الثالث أن أصبحت الرياضة أجود باختراع طريقة حساب أبسط..

لكن أعظم ما أحرزته العلوم من انتصار في العصر الهلينستي كان في الهندسة النظرية ، ومن علماء ذلك العصر كان عالما ظل اسمه لمدة ألفي عام مرادفا لاسم هذه الهندسة.

4. الكتاب الرابع: إقليدس والأصول elements
الكتاب الرابع: إقليدس والأصول elements

أنشأإقليدس مدرسة في الإسكندرية وبرع تلاميذه في هذا العلم ولم يكن يعني بالمال ويحنق على التلميذ الذي يسأله عن الفائدة المادية لعلم الهندسة وكان شديد التواضع والرأفة وكتب Elements عام 300 وجمع فيه معلومات اليونان الهندسية.

بدأ الكتاب بالتعاريف البسيطة ثم بالفروض الضرورية ثم الأفكار العامة وسار على ما أوصى به أفلاطون فاقتصر على الأشكال والبراهين التي لا تحتاج من الآلات إلى غير المسطرة والفرجار ، واتبع طريقة شبه كاملة في الإثبات تسير على نظام الفرض والعمل والبرهان والنتيجة فأقامت للعالم صرحا رياضيا ظل حتى العصر الحالي المعترف به في كل جامعات أوربا وربما لا يشبه كتابا هذا الكتاب في أثره الباقي غير الكتب السماوية.

يلخص الكتاب الأول والثاني أعمال فيثاغورث الهندسية ، والثالث أعمال أبقراط الشكشيوني ، والخامس أعمال يوذكسوس ، والرابع والسادس وال11 وال12 آراء العلماء الأثينيين المتأحرين ، والسابع والثامن والتاسع في الرياضيات العليا.

ولم يحفظ للعالم هذا الكتاب غير المسلمين حين قامت حضارتهم.

ذهب الراهب الإنجليزي إدلارد الباثي لقرطبة 1120 متخفيا في شخصية طالب مسلم ثم عاد بترجمة إقليدس ’الأصول ’ الذي أفادت منه أوربا 4 قرون كنص رياضي مع هندسة الخوارزمي التحليلية ، وقد اقتصر الأصول على الهندسة المستوية ولم يتعرض لهندسة المجسمات.

وقام نصير الدين الطوسي بالنقد التحليلي لهندسة إقليديس فكان نقطة البداية للهندسة اللا إقليدية عام 1733 على يد ساكشيري ، وكانت اللغة العربية هي لغة التفكير (كراوثر في قصة العلم) التحليلي والذي ساهم في ظهور المنطق الرياضي الحديث عند ليبنتز وخلفائه.

[line]

(5) الكتاب الخامس : أفلاطون والجمهورية

كان ينتمي إلى أسرة عريقة وبرع في الموسيقى والرياضة والشعر ، وافتتن بسقراط ، وشهد محاكمته وموته بعد عودة الديمقراطية ففر من اثينا ثم أنشأ الجامعة التي قدر لهاأن تكون فيما بعد مركز بلاد اليونان العقلي تسعمائة عام كاملة.

قال نتشه عنه : أنه كان مسيحيا قبل وجود المسيحية.

وقد بقي أفلاطون أحب المفكرين اليونان إلى الناس ، وكان أقوى مجادل في العصر القديم ، وانتهى في فلسفته بقمع كل تفكير حر وأن الفلسفة يجب أن يقضى عليها لكي يعيش الإنسان ، ولو أن مدينته الفاضلة تحققت فعلا لكان هو أول ضحاياها.

وكتابه القوانين هو أقدم المراجع الأوربية المعروفة في التشريع.

ولكن الجمهورية هي أعظم المحاورات لأنها أكمل عرض لفلسفة أفلاطون فهو أكمل نتاج عقلي وصل من مؤلف يوناني.

5- plato & republic
تأثر أفلاطون بالمبادئ الكلبية (أن تقتصر حاجات الجسم على الضرورات لتكون الروح حرة) فوصف في المقالة الثانية من الجمهورية مدينة فاضلة تعيش عيشة فطرية شيوعية فنجد رجالا لا أملاك لهم ولا زوجات يستمسكون بالحياة البسيطة.

وكانت المحاورات التي أوردها أفلاطون قطعة أدبية لاتاريخية فهو لا يدعي أنه ينقل لنا نصا دقيقا للأحاديث التي كانت تجري قبل أن يكتبها بأعوام عديدة ، وذهل سقراط حين سمع الألفاظ التي أنطقه بها الفيلسوف المسرحي ، وقد كتبت المحاورات مستقلة كل منها عن الأخرى ولعلها كتبت في فترات متباعدة وفيها آراء متناقضة ومنها الجمهورية ، ومعرض الآراء (سمبوزيوم) هو خير ما كتب من نوعه في أدب العالم.

لم يتبع أفلاطون أفكارا منظمة، وتتلخص آراؤه في المنطق وماوراء الطبيعة والأخلاق وعلم الجمال والسياسة.

وهو يرفض قول السفسطائيين أن الحواس خير وسيلة لمعرفة الحقيقة فلو صح هذا لكان مايقوله أي مخبول صحيح وليست الآراء أشياء تدركها الحواس ولكنها حقائق تعرف بالتفكير.

وكل شئ في ميتافيزيقية أفلاطون يدور حول نظرية الأفكار فالله يحرك كل شئ وينظمه حسب الأفكار ، وليس هناك شئ حقيقي إلا الذي فيه روح يعطيها الله وهي قوة وجدت قبل الجسم ، وإذا مات الإنسان انتقلت روحه إلى الجحيم أو إلى الجنة.

كان أفلاطون يعرف أن كثيرين من قرائه ملحدين بدليل أنه حاول وضع قانون أخلاقي غير معتمد على الدين ومحاوراته في الجمهورية تتحول من المتافيزيقا إلى الأخلاق والسياسة.

والمشكلة الرئيسية في علم الأخلاق تدور حول النزاع بين ملاذ الفرد وبين الخير الاجتماعي وأن الإنسان في حاجة إلى الذكاء للتمييز بين اللذات الطيبة والضارة ، ومن الواجب أن تربي في الطفل عادة الاعتدال.

وتتكون النفس من ثلاثة أجزاء : الشهوة والإرادة والفكر ، ولكل جزء أداء واجب نحو الله ونحو الوالدين.

ظل أفلاطون عابداً يغمر فكرته عن الخير تقوى وتوحدت فيه الفلسفة والدين وامتزجت الأخلاق بالجمال . وفي دولة المثالية يفرض الرقابة على الفن الذي ترى الحكومة أن فيه نزعة مغايرة للأخلاق الفاضلة ، ويمنع الخطب المضادة للدين.

ويظن أفلاطون أن الجمال الحق هو جمال العقل . والحب ثلاث مراحل:
1- حب الجسم : وهو مشروع لأنه وسيلة للتناسل ولكنه صورة بدائية.
2- حب الروح : كمايحب الشاب الشيخ لحكمته وشرفه.
3- حب الحقيقة: وهو حب الاستحواذ على الخير الأبدي وهذا الحب هو الحب الأفلاطوني.

ويحلم بمجتمع خال من الفساد ويرى أول مايجب عمله هو :
· البحث عن ملك صالح.
· والواجب الثاني أن نبعد أساليب الكبار لأنها تفسد الشباب وتطبعهم بطابع الماضي (إلا في حفظ النظام).
· ثم نعد للشباب منهجا تعليميا يمتد إلى عشرين عاما ويشمل قصص الصالحين.
· ثم يجري لهم اختبارات من يخفق فيها يصبح رجل اقتصاد ( رجل أعمال – صانع – زارع).
· ومن ينجج في الاختبارات (الجسمية) يتلقون منهجا آخر 10 سنوات ثم يختبر.
· فإذا سقط يصبح جنديا ولا يسمح له بأملاك خاصة كرجل الاقتصاد.
· وإذا اجتاز فيدرس الفلسفة الإلهية 5 سنوات بجميع فروعها من رياضيات إلى سياسة إلى منطق.
· ثم يلقي في الحياة العملية.
· ثم يكون حاكما من غير انتخاب ولكن بلا أملاك.

وليست للمدينة قوانين بل تعرض القضايا على الملك الفيلسوف.

وتقدم للأطفال قرصا للتعليم متكافئة مع شيوعية المال والنساء ومساواة الرجل بالمرأة ، ويختم بحثه ’وإلى أن يكون الفلاسفة ملوكا أو يتشبع الملوك بالفلسفة لن ينجو الجنس البشري من الشر’.

وشعر كما شعر فولتير أن الملكية أفضل من الديمقراطية في أن المصلح في الحالة الأولى لا يحتاج إلى إقناع أكثر من رجل واحد وفي ذلك يقول : إنك إذا أردت أن تنشئ دولة صالحة فما عليك إلا أن تضع على رأسها حاكما عادلا’، وقال عن نفسه : أنه يجب العدالة أكثر من حبه للحقيقة وأن هدفه أن يمحو الفقر والحرب وأنه لا يستطيع أن يمحوهما إلا بسيطرة الدولة على الأفراد وهذه السيطرة بإحدى اثنتين :القوة أو الدين.

والنظرة الأفلاطونية أظهرت النظرة العقلانية للإنسان والطبيعة ، ولعبت دورا هاما في الفكر الفلسفي في أوربا في العصور الوسطى فأظهر العالم الطبيعي في كتاب طيماوس ككيان منظم عقلاني: ’لابد لكل ما يخلق من أن يخلقه خالق:إذ لا يمكن خلق شئ دونما خالق ,هل كانت السماء موجودة أو العالم دون بداية؟ أنا أقول خلق وكانت له بداية’.

ظلت فلسفة أفلاطون هي المسيطرة على الغرب إلى أن ظهر في في القرون الوسطى كتاب لأحد أكبر عالمين مسلمين لهما الأثر على الفكر الغربي الفلسفي وهو ( كتاب الشفاء لابن سينا ) فاسترعى انتباه علماء العقائد المسيحيين نزعات الأفلاطونية عند ابن سينا فقد كان أولئك اللاهوتيين تواقين إلى الوصول إلى أساس فلسفي لما كانوا يأخذون به من المذهب الأوغسطيني ( فلسفة القديس أوغسطين 353-430 م ولد في شمال أفريقيا واعتنق المسيحية في سن ال34 ودافع عن الكنيسة وقال : أن وجود العقل في الإنسان دليل على وجود الله) ، وكان من ثمرات ذلك المذهب الأوغسطيني كتاب ,في النفس, لكبير أساقفة طليطلة (عاصمة الأندلس) يوحنا الطليطلي في القرن الثاني عشر الميلادي وهو متأثر كلية بابن سينا والمؤلف يعلق على الفلسفة الأفلاطونية في صورتها المسيحية عند أوغسطين في ضوء الفلسفة عند ابن سين.
ا
أما العالم الثاني فهو الملقب عند الغرب ب ( الشارح الأعظم لكتب أرسطو) لعالم الإسلامي :ابن رشد ) الذي قال بنظرية العقل الفعال والعقل المنفعل كأرسطو والتي استحالت إلى نظرية الفيض التي تقول بها الأفلاطونية الحديثة والتي انتقلت للغرب عن طريق ابن سينا وأصبحت الفلسفة العربية في الغرب تحل محل فلسفة أرسطو وتدعى الأفلاطونية الحديثة وقال عن ذلك روجر بيكون: أن ابن رشد أعظم الفلاسفة بعد أرسطو وابن سينا ، وقال’تحظى فلسفة ابن رشد في هذه الأيام (حوالي 1270م) بقبول جميع العقلاء’.

[line]

(6) الكتاب السادس :
ولد عام 1058 وعين في الثلاثين مدرسا ببغداد 3 سنوات طبقت فيها شهرته الآفاق ، ثم اصيب بمرض غريب أقعده عن العمل وأفقده شهوة الطعام وأصيب بشلل في لسانه وتدهور في مزاجه.

واعنزل الناس ووصل بتفكيره أن ليس بالعقل وحده يعرف الإنسان ربه فبالعقل لا يستطيع معرفة نفسه ولكن بالقلب والحب يستطيع ، وبهذه النزعة كتب أعظم كتبه تأثيرا.

ولما توفي 1111 كانت موجة الإلحاد قد ردت على أعقابها واطمأنت جميع قلوب المؤمنين بل إن المسيحيين أنفسهم أثلج صدورهم ماوجدوه في كتبه بعد أن ترجمت من دفاع عن الدين وعرض لقواعد الصلاح .. لم يروا له نطيرا بعد أيام أوغسطين واختفت الفلسفة من أيامه.

الكتاب السادس: الغزالي والإحياء ’إحياء عقيدة ونهاية فلسفة’
الكتاب السادس: الغزالي والإحياء ’إحياء عقيدة ونهاية فلسفة’

نظرا لتفشي الفلسفة ونزعة التشكك عند بعض كبار العلماء كان الدين يكافح للاحتفاظ بولاء الطبقات المتعلمة، فقد بقي ابن سينا متمسكا بفلسفة أرسطو واسترشد في بحوثه بأرسطو والفارابي والذي كان يدعو إلى تجديد الإسلام بمزيج من الفلسفة اليونانية والمسيحية والتصوف وآراء الشيعة.

وكان رد الفعل الذي نتج من هذه الحركة العلمانية (التي كادت أن تودي بالمسلمين كما فعل فكر فولتير في الغرب ) هو ظهور أبي حامد الغزالي حجة الإسلام ومجدد القرن الخامس الهجري.

فنقد عالم المحسوسات وفقد الثقة بالحواس فبها ترى النجوم ضئيلة برغم أنها أكبر من الأرض ، والعفل أرقى درجة ولكنه يعتمد على الحواس فقد يخطئ كما في الأحلام ، وأرقى منه وأصدق هو التأمل . وبهذه النزعة كتب أعظم كتبه تأثيرا ( تهافت الفلاسفة) و( إحياء علوم الدين) .

واستعان في الأول على العقل بجميع فنون العقل فاستخدم الجدل الفلسفي الذي لا يقل دقة عن جدل كانت ليثبت أن العقل يؤدي بالإنسان للتشكيك في كل شئ والإفلاس الذهني ، وقال : إن الفلسفة لا تستطيع أن تثبت وجود الله أو خلود الروح بل الوحي هو الذي يؤكد هاتين العقيدتين اللتين لا قيام لغيرهما لأي حضارة.

وشرح في الأحياء العودة للعقائد السلفية ، ودافع عنها ، وصار أقوى عدو للفلاسفة الذي لم يواجهوا عدوا أقوى منه.

وقيل عن الأحياء ’من لم يقرأ الأحياء فليس من الأحياء’.

في كتابه تهافت الفلاسفة يثبت أن العقل يؤدي بالإنسان للتشكك في كل شئ وللإفلاس الذهني والانحطاط الخلقي.

وإذا كان الفلاسفة يعدون عقلهم إلههم فإن الغزالي يضع الأمور في نصابها حيث يذكر أن العقل ميزان الله في أرضه ولكن المحسوسات تشوش عليه وهناك مور ليس للعقل سبيل للقطع بها مثل البعث والغيبيات.

وقسم الغزالي الحقائق إلى حقائق تدركها الحواس ، ثم حقائق أقوى يدركها العقل ، (وذكر أن العقل يعتمد على الحواس ولكن في المنام قد يخدع العقل إذن فليس بالعقل وحده تعرف الحقيقة ) ، ثم حقائق أقوى يدركها القلب، إذن فهو القلب لأن العقل لايستطيع معرفة نفسه ولكن الحب والقلب يستطيعان. ويصل القلب لأعلى مراتب اليقين عن طريق الزهد والتفكر في صفات الله ومخلوقاته.

وظهرت قدرته على التوفيق بين الدين والعقل ، وكان هذا سبب شهرته في الغرب بعد تفوق العقل والعلم والتنوير في عصره الأمر الذي فشل الغرب فيه في نهضتهم.

وقد قضى بكتابه تهافت الفلاسفة على الفلسفة في الشرق قضاء مبرما لم تقم لها بعده قائمة ( بالرغم من ظهور ابن رشد في أقصى أركان العالم الإسلامي ) بعد أن كادت تودي بالمسلمين لعلمانية الغرب الآن.

وعاد الغزالي في آخر الأمر عن طريق التصوف إلى العقائد الدينية السليمة في الإحياء.

وأصبح الحديث والقرآن موضع اهتمام العقول الإسلامية من جديد وبدون محاكم تفتيش الغرب كما في عصر النهضة ودون اقتتال كما حدث في حركة لوثر.

وتتلخص أعمال حجة الإسلام في الآتي :

1. أزال الغزالي غلبة الفلسفة اليونانية حتى في أوروبا (منطق أرسطو) ، وفتح باب دور النقد العلمي ، ومنه أخذ روجر بيكون في القرن ال13 وفرنسيس بيكون في القرن ال17.
2. أثبت الحجة العقلية لشرائع الدين ووراء العقائد براهين منطقية وأنها ليست كهنوت كالمسيحية غير مفهوم وهو مادعا أوروبا للإلحاد.
3. بين ضآلة اسباب فرقة المذاهب والأمور الدخيلة على العقيدة.
4. العودة من القشور والتقليد إلى الروح والشعور.
5. عرض المقياس الصحيح للأخلاق.

[line]


7) الكتاب السابع :

كان للخطوات التي خطتها العلوم الرياضية والتي تبدو لنا اليوم تافهة الفضل في شحذ أدوات الحساب في العصر الذي نحن بصدده (القرن السادس عشر) فكتب محمد بن موسى الخوارزمي(780-850) رسائل قيمة في الأزياج الفلكية
(ظلت قرونا كثيرة هي المعمول به في جميع البلاد من أسبانيا إلى الصين)
وأقدم الجداول المعروفة في حساب المثلثات والجغرافيا والجبر ، وأورد في كتابه حساب الجبر والمقابلة 830 م حلولا تحليلية وهندسية لمعادلات الدرجة الثانية (خمس فئات منها).. ومن هذا الكتاب اشتق اسم الجبر.. وترجم في القرن ال12 ليدرس في أوربا حتى القرن ال16.

وكان يطلق على الكمية المجهولة اسم ’الجذر’ إشارة إلى جذر النبات الذي عادة ما يكون مختفيا تحت الأرض.. واستخدم مصطلح القوة’الأس’ ليصف مربع الجذر.. والجبر يتعلق بمعالجة المعادلات بحيث نستبعد منها العدد السالب
بينما المقابلة تمثل طريقة لتبسيط المعادلات عن طريق جمع أو طرح كميات متساوية من طرفي المعادلة.

ومن تلامذته عمر الخيام ( وهو أيضا من أكثر الشعراء شهرة ) الذي ألف كتابا في الجبر الذي وصل فيه لحل جزئي لمعادلات الدرجة الثالثة..

وقيل إنه ’ربما كان أعظم ماوصلت إليه العلوم الرياضية في العصور الوسطى’ .

أما الفلك فكانت أكثر آلاته من مخلفات العصر الوسيط كالاسطرلاب والبوصلة ، وبرغم ذلك في حوالي عام 1514 وصل فلكي بولندي إلى استنتاجات في بعض نسخ مخطوطة..

لم يلق الفلكيون القلائل الذين قرءوا النسخ كبير بال إليه .. وظهر الكتاب أخيرا في 1543 ووصلت نسخة أولية للمؤلف وهو على فراش الموت فقرأ صفحة العنوان وابتسم ، ثم مات في نفس الساعة.

كانت أعظم ثورة في تاريخ الفلك.. بل كانت أشد عمقا من حركة الإصلاح البروتستنتي في التاريخ المسيحي، فقد تخطت حركة الإصلاح اللوثري إلى حركة التنوير.

كان أحد أكبر 3 كتب عرفت في التاريخ الغربي مع كتاب داروين وماركس.

الكتاب السابع: كوبرنيكس و "في فلك الأجرام السماوية" concerning revolution of heavenly bodies"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق